الغزالي

195

إحياء علوم الدين

حكي أن شابا كان يصحب الجنيد ، فكان إذا سمع شيئا من الذكر يزعق ، فقال له الجنيد يوما إن فعلت ذلك مرة أخرى لم تصحبني ، فكان بعد ذلك يضبط نفسه حتى يقطر من كل شعرة منه قطرة ماء ولا يزعق ، فحكي أنه اختنق يوما لشدة ضبطه لنفسه ، فشهق شهقة فانشق قلبه وتلفت نفسه وروي أن موسى عليه السلام قص في بني إسرائيل فمزق واحد منهم ثوبه أو قميصه فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام ، قل له مزق لي قلبك ولا تمزق ثوبك ، قال أبو القاسم النصرآباذي لأبي عمرو بن عبيد ، أنا أقول إذا اجتمع القوم فيكون معهم قوال يقول خير لهم من أن يغتابوا ، فقال أبو عمرو الرياء في السماع ، وهو أن ترى من نفسك حالا ليست فيك شر من أن تغتاب ثلاثين سنة ، أو نحو ذلك فإن قلت : الأفضل هو الذي لا يحركه السماع ولا يؤثر في ظاهره ، أو الذي يظهر عليه فاعلم : أن عدم الظهور تارة يكون لضعف الوارد من الوجد فهو نقصان ، وتارة يكون مع قوّة الوجد في الباطن ، ولكن لا يظهر لكمال القوّة على ضبط الجوارح ، فهو كمال ، وتارة يكون لكون حال الوجد ملازما ومصاحبا في الأحوال كلها ، فلا يتبين للسماع مزيد تأثير وهو غاية الكمال ، فإن صاحب الوجد في غالب الأحوال لا يدوم وجده ، فمن هو في وجد دائم فهو المرابط للحق والملازم لعين الشهود ، فهذا لا تغيره طوارق الأحوال ، ولا يبعد أن تكون الإشارة بقول الصديق رضي الله عنه ، كنا كما كنتم ثم قست قلوبنا ، معناه قويت قلوبنا واشتدت فصارت تطيق ملازمة الوجد في كل الأحوال ، فنحن في سماع معاني القرءان على الدوام ، فلا يكون القرءان جديدا في حقنا طارئا علينا حتى نتأثر به ، فإذا قوة الوجد تحرك ، وقوة العقل والتماسك تضبط الظاهر ، وقد يغلب أحدهما الآخر إما لشدة قوته ، وإما لضعف ما يقابله ، ويكون النقصان والكمال بحسب ذلك ، فلا تظنن أن الذي يضطرب بنفسه على الأرض أتم وجدا من الساكن باضطرابه ، بل رب ساكن أتم وجدا من المضطرب ، فقد كان الجنيد يتحرك في السماع في بدايته ثم صار لا يتحرك ، فقيل له في ذلك فقال * ( وتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) * « 1 » إشارة إلى أن القلب مضطرب جائل في الملكوت والجوارح متأدبة في الظاهر ساكنة

--> « 1 » النمل : 88